أحمد الشرباصي

65

موسوعة اخلاق القرآن

وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » « 1 » . هنا يتحدث القرآن الكريم على طريقة التعجب والانكار ، فيقول لهم : كيف تنحرفون عن الايمان ، وأنتم تسمعون القرآن العظيم يتلى عليكم ، وفيكم رسول الله محمد ، ترونه وتشاهدونه . ويدخل في هذا الخطاب من لم ير النبي ، لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته . ويجوز أن يكون الخطاب لصحابة النبي خاصة ، لأن رسول الله كان فيهم وكانوا يشاهدونه . وقيل : ان هاهنا أمرين جليلين : كتاب الله ونبي الله ، فأما النبي فقد مضى إلى ربه ، واما كتاب الله فباق قائم : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . وقد أبقاه الله رحمة منه ونعمة ، فيه بيان الحلال والحرام ، والطاعة والمعصية . ومن يعتصم بالله ، ويتمسك بدينه وطاعته ، فقد وفقه ربه ، وأرشده إلى الصراط المستقيم ، ثم أمر الله المؤمنين بأن يتقوه حق تقواه ، بأن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر ، وأن يجاهد المؤمن في سبيل ربه حق الجهاد ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وأبنائهم ، ويا لها من تقوى مثالية ، ولذلك تلطف الله بعباده ، فقال في مقام آخر : « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ » . وأمرهم كذلك أن يعتصموا جميعا بحبل الله ، وهو القرآن ، أو الدين ، أو الجماعة ، أو عهد الله ، أو طاعة الله ، وحذرهم التفرق والتمزق لأن الفرقة هلكة ، والجماعة نجاة ، وابن المبارك يقول : ان الجماعة حبل الله فاعتصموا * منه بعروته الوثقى لمن دأبا

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 101 - 103 .